محمد سعيد رمضان البوطي
71
فقه السيرة ( البوطي )
ولا يعني هذا الكلام أن المستضعفين الذين أسرعوا إلى الإسلام قبل غيرهم لم يكن دخولهم فيه عن إيمان بل عن قصد ورغبة في التخلص من أذى المستكبرين وسلطانهم ، ذلك لأن الإيمان باللّه وحده والتصديق بما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام ، كان قدرا مشتركا بين زعماء قريش ومستضعفيها ، فما منهم أحد إلا وهو يعلم صدق النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فيما يخبر عن ربه ، غير أن الزعماء والكبراء فيهم كانت تصدهم زعامتهم عن الانقياد والاتباع له ، وأجلى مثل على ذلك عمه أبو طالب ، وأما الفقراء والمستضعفون فما كان ليصدهم عن التجاوب مع إيمانهم والانقياد له عليه الصلاة والسلام شيء ، أضف إلى ذلك ما يشعر به أحدهم عند إيمانه بألوهية اللّه وحده من الاعتزاز به وعدم الاكتراث بسلطان غير سلطانه أو قوة غير قوته ، فهذا الشعور الذي هو ثمرة للإيمان باللّه عز وجل ، يزيده في الوقت ذاته قوة ويجعل صاحبه في نشوة وسعادة غامرة . ومن هنا نعلم عظم الفرية التي يفتريها بعض محترفي الغزو الفكري في هذا العصر ، حينما يزعمون بأن الدعوة التي قام بها محمد صلى اللّه عليه وسلم ، إنما هي من وحي بيئته العربية نفسها ، وأنها إنما كانت تمثل حركة الفكر العربي إذ ذاك . فلو كان كذلك ، لما كان رصيد هذه الدعوة بعد سنوات ثلاث من بدايتها ، أربعين رجلا وامرأة ، معظمهم من الفقراء والمستضعفين والموالي والأرقاء ، وفي مقدمتهم أخلاط من مختلفي الأعاجم : صهيب الروحي ، وبلال الحبشي . وسوف تجد في البحوث القادمة أن بيئته العربية نفسها هي التي أرغمته على الهجرة من بلاده وأرغمت أتباعه من حوله على التفرق هنا وهناك والخروج إلى بلاد الحبشة مهاجرين ، وذلك كراهية منها للدعوة التي زعموا أنه إنما كان يمثل بها نوازعها وأفكارها .